البطل الذي هزم 100 ألف بـفِـيلَتِـهِم !

 

البطل: محمود بن سبكتكين

عزيزي القارئ، هل سمعت عن بطلٍ مسلمٍ قاد جيشًا صغيرًا ليقتحم به صفوف الجيش الهندوسي الجرار الذي يزيد عِداده عن ١٠٠ ألف جندي؟

هل مرَّ على أذنيك اسم السلطان(محمود ابن سبكتكين) من قبل ؟
في الغالب لم يطرق مسمعك اسم هذا القائد الفذ الشجاع على الرغم من كونه واحدًا من أبرز الشخصيات التاريخية، فقد ملأ كتب المؤرخين من عرب وأعاجم حتى كلَّت أقلامهم عن إيفاء رونقه بين الأبطال، وعجزت قرائحهم عن نعتِ عبقريته ودهائه ومجدِه فأجملوا الأوصاف، إنه السلطان الذي عظمت مناقبه واتسعت آفاق فتوحاته حتى انهالت عليه الألقاب، فلُقبَ بـيمين الدولة، وأمين الملة، وكهف الدولة، وناصر الحق، ونظام الدين، وبطل الإسلام، وفاتح الهند، ومحطم الأصنام.. وكان جديرًا بكل ذلك.

(فمن هو هذا القائد العظيم؟)
هو أكثر القادة المسلمين تشبهًا واقتداءً بعمر الفاروق، مشى بسيرته واقتدى بعدله، حتى قيل: كأنهُ هو!
هو السلطان الذي وطئت خيوله أرضًا لم تطأها خيول المسلمين من قبل، ورفع رايات الإسلام في بلاد لم يدخلها الإسلام من قبل.
قال عنه المؤرخون: إن فتوحاته تعدلُ في المساحة فتوحات عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.
فقد اتسعت حدود مملكته حتى امتدت من بخارى وسمرقند إلى الكجرات وقنوج، وشملت أفغانستان وبلاد ما وراء النهر وسجستان وخراسان وطبرستان وكشمير،  بل بلغت فتوحاته وسط الهند وشماله بالكامل، الإضافة إلى سيطرته على سواحل الغرب الهندي كله وهو مالم يستطِعهُ (الإسكندر الأكبر).
لُقبُ بـ(قاهر الهندوس) إذ حطم أصنامهم وأبطلَ خرافاتهم فدخل في الإسلام ملايين الهنود، ليتحولوا من عُبَّاد أحجار وأوثان إلى عِبادٍ لله الواحد القهار.. 

عزيزي القارئ، تعال لنبحر معاً في رحلةٍ تاريخية شيقة سطرت بطولاتها على يد جنود من المسلمين يقودهم: محمود بن سبكتكين

(وقفةُ قائد )



وقف قائد المسلمين أمام الحصن الذي حرره مع جيشه الصغير ورفعوا فيه صوت التوحيد، ينظر بثبات مخيف إلى الجيش الذي يزحف نحوهم
جيش عرمرم من الهندوس لم يُرَ مثلهُ.. كانوا من كل حدَبٍ ينسلون! تتقدمهم فيلة ضخمة تكاد تحجب ضوء الشمس من ضخامتها، تضرب الأرض بأقدام مستعرة فتتزلزلُ الأرض من تحتها ويتطاير الغبار كثيفًا حتى يعلو رؤوسها حاجبًا عنهم صفحة السماء، كأنما هو الطير الأبابيل حالفت الفيلة هذه المرة لتَدُكَّ الجيش الصغير المتهيئ عند الحصن،  فلو نظرتَ إليهم لوليتَ منهم فِرارًا ولمُلِئتَ منهم رعبًا!

لكنَّ القائد الثابت لم يولِّ ولم يُرْعب، بل بدا كجبل أخشب لا يخشى أعتى الرياح، تكاد تسمع في قلبه يقينًا يهتف:(كلا... إنَّ معيَ ربي سيهدين.)

(بداية الحكاية)
كان في بلاد الأفغان مدينة  تسمى بُست، يحكمها أمير يدعى (طغان) وكان هناك أميرٌ يُعرف بـ(بابي تور) قد عزم على غزو طغان هذا، فهاجمه وحاربه حربًا شديدة حتى أخذ بُست منه.
 
فرَّ طغان من بابي تور، وراح يستغيثُ رجلاً  يُدعى سبكتكين، فقد عُرِف سبكتكين-وهو والد بطل قصتنا- بالشجاعة وحسن الذكر بين الناس؛ لنصرته المظلومين، فكان مُطاعًا عظيم الشأن، وطمع الناس في عونه، قدم طغان لسبكتكين المال والطاعة إن هو نصره على بابي تور، فوافق سبكتكين على نصرته.
انطلق سبكتكين إلى بُست وخرج إليه بابي تور، فوقع بينهما قتال شديد كان على إثره انهزام بابي تور واستعادة طغان للحكم، فلما استقر فيها وعاد ملكًا عليها طالبه سبكتكين بما وعد، غير أن طغان راح يجادله ويماطله، بل إنه استلَّ سيفًا وضرب يد سبكتكين فجرحها، فرد سبكتكين له الضربة والجُرح قبل أن يفصل العسكر بينهما، وعلى إثر ذلك قامت بينهما معركةٌ فاز فيها سبكتكين واستولى على مدينة بُست.
بعد استيلاءه على مدينة بُست ذهب إلى مدينة قُصدار وأخذها، ثم أعاد لواليها حكمه ولكنه فرض عليه مالًا يدفعه إليه كل سنة.  بعد ذلك بدأ سبكتكين يغزو قلاع الهند الواحدة تلو الأخرى.

(ولادة البطل)
وفي زمن هذه البطولات، تحديدًا في المحرم سنة ((360هـ في مدينة غزنة، وُلِدَ لسبكتكين غلامٌ صغير أسماه محمود، كان حسَنَ الوجه، أحمرَ الشعر، في عينيه صِغَرٌ كأنما كان يحدق في آخر ما سيبلغه جهاده وفتوحه الشاسعةِ حتى ضاقتا..!
نشأ محمود وتربى تربية  فريدة؛ تربية يُصقل فيها القادة الأبطال؛ إذ اشترك منذ حداثة سِنِّهِ في محاربة أعداء الإسلام من الهنود والبويهيين فغدا نجمًا لامعًا لا يحجبه غبار، ثابتَ الجأش شديدَ البأس لا يكاد يشارك في معركة إلا وانتصر فيها، وقد قرَنَ السيفَ إلى القلم؛ فكان مع جهاده دَيِّنًا خيِّرًا متعبدًا، وكان من أعيان الفقهاء، له مؤلفات منها(التفريد في الفروع) في غاية الجودة ، قاربت مسائله٦٠ألف مسألة.. فجمَعَ الحُكْمَ إلى الحِكَم، ليُحرز الشرف بطرفيه، ويلتحفَ المجدَ  بمطرفيه!


(الحُلمُ القديم)
كان فتح  الهند حلمًا يراود المسلمين منذ عهد الفاروق رضي الله عنه،  فتتابعت عليها حملاتهم قاصدين نشر الدين الحنيف في تلك الأصقاع حتى عهد الخلافة العباسية،  غير أنها لم تبلغ من القوة ما كان في غيرها من البلدان؛ إذ كانت شبه القارة الهندية أرض مبهمة مجهولة بعيدة الأغووار، متعددة الإمبراطوريات،  شاسعة الأبعاد، فكان القادة المسلمون يتخوفون على جنودهم خوض المجهول، فلم تكن فتوحاتهم متوغلة فيها بشكل كبير، سوى ما افتتحه محمد بن القاسم الثقفي في عهد الدولة الأموية، وكان دون العشرين من عمره، لكنه نهض بهذه المهمة كما ينهض بها أشجع الرجال! وتمكن من التوغل في بلاد الهند، ففتح مدينة ديبل" ليُقيم بها مسجدًا ويترك فيها حامية من أربعة آلاف جندي، وأصبحت الديبل أول مدينة عربية في الهند.
حتى أطلَّ  القرن الرابع الهجري، زمن الفتوحاتِ العِظام؛ إذ كانت رايات المسلمين في المغرب ترفرفُ تحت قيادة يوسف بن تاشفين لجمع الكلمة في الأندلس حتى عادت صلبة شامخة أمام أطماع الأعداء، في نفس الزمن الذي رُفعت فيه رايات الجهاد في آسيا تحت قيادة بطلنا حتى بلغت أقاصي شبه القارة الهندية، فارتفع الأذان في أراضٍ لم يُسمع فيها أذانٌ أبدًا، وصدع المسلمون بالصلوات في بقاعٍ لم يُتلى فيها القرآن يومًا.. وفي ذلك يصف الشاعر الهندي محمد إقبال انبثاق نور الهدى من طيبة الطيبة غامرًا كافة بقاع الأرض:
من ثراها قد نثرنا النور في دنيا الوجود                  وعلى أهدابها ضفنا معانٍ من خلود 

حكمةُ الإيمان من طيبة سارت للعراق                    وسَلِ الأتراك قد سارت سريعًا للهنود

(عودة إلى بطولة والده سبكتكين)

يُعد والده سبكتكين الواضع لحجر الأساس للدولة السبكتكية، أو ماتُسمى بـ(الدولة الغزنوية) نسبة إلى عاصمتهم غزنة، وكانت جزءًا مستقلًا من الدولة السامانية، والدولة السامانية هي دولة سنية استقلت عن الخلافة العباسية، وكان استقلالها حكم ذاتي في كل شيء، غير أن ولاءها المعنوي والروحي يبقى للخلافة العباسية، بقيَ سبكتكين معلنًا ولاءه وحلفه مع الدولة السامانية ليكمل فتوحاته نحو الهند، فاتسع حكمه في الشرق حتى وصل إلى زابلستان التي في أفغانستان، وشملت باختر وزمين دفر، وبلوشستان، وكوزدر، واستمر جهاده حتى بلغت دائرة نفوذه أن صار واليًا على "إقليم خراسان"  كله سنة 377 هجرية، ولُقِّب بالسلطان سبكتكين.

تصدى سبكتكين لمحاربة الخارجين على الدولة السامانية، وتصدى عدة مرات لمحاولات الدولة البويهية القضاء على السامانيين، فظل سبكتكين طوال حياته في جهاد مستمر ضد الخارجين وكفار الهند الذين شعروا بخطورة مثل هذا الرجل على نفوذهم بأفغانستان وشمال الهند.

(هذا الشبل من ذاك الأسد)
كان محمود عضيدَ والده في محاربة أعداء الإسلام من الهنود والبويهيين، ولا سيما في معركة "نيسابور" ضد البويهيين، حيث ثبتا فيها ثباتًا عظيمًا، فلو أنك رأيتَ ثَمَّ رأيتَ أسدًا جسورًا وشبله، بل إن أردنا الإنصاف.. فلن ترى سوى أسدين جسورين؛ إذ كان له أثر عظيم في تلك المعركة لا يقلُّ عن أثرِ أبيه، وكان انتصارهما فيها حدثًا جليلًا لم يسع حينها (نوح بن منصور) والي الدولة السامانية إلا أن خلع على سبكتكين لقب ناصر الدولة، وعلى بطلنا محمود لقب سيف الدولة، وجعله قائدًا على جيوش خراسان، وواليًا على "نيسابور”  كل هذا التاريخ وهو لا يزال في مقتبل الشباب!


(فتوحات سبكتكين)
نجحَ والده سبكتكين في غزو أطراف الهند، ففتح حصونًا عديدة، وكان كلما فتح حصنًا حطم أصنامه وأقام شعائر التوحيد فيه..
فأغاظ  بذلك ملوك الهندوس ولا سيما "جيبال" وكان أكبرهم وأعظمهم وأشدهم بأسًا، فجمع جيشه وحشد معهم الفيلة، وذهب إلى دولة سبكتيكين، فخرج سبكتكين من غزنة واتجه إليه ومعه جيشه والكثير من المتطوعين، لتقع بينهما معركة مصيرية كانت من أشرس المعارك وأعتاها، استمرت أيامًا عديدة حتى رأى جيبال شدة بأس المسلمين فعرض عليهم الهدنة على أن يعطيهم جزية عظيمة وعددًا من الفيلة -وكانت أول فيلة تدخل في جيوش الأتراك- وأن يكون واليًا عنده، وزاد عليه سبكتكين بأن يرسل معه دعاة مسلمين يدعون الناس لدين الله، فوافق جيبال على ذلك درءًا ودفعًا لسبكتكين من فتح الهند؛ إذ كان يعرف مدى قوة  وبهاء بطولات المسلمين، غير أن الأيام لم تمر حتى نقض جيبال عهده، فغدر بمن معه من المسلمين وقتلهم، فأثار غدره حفيظة القائد سبكتكين، وعاد إليه بعزم أشد ورغبة أقوى في فتح الهند، ومعه جيوش عظيمة من السامانيين والغزنويين، ومضى في تحرير الحصون.

(وفاة ناصر الدولة)
لكن  شاء الله أن يتوفى سبكتكين في بداية هذه المعارك، تاركًا وراءه تاريخًا حافلًا من المناقب والسيرة الحسنة؛ فقد كان عالي الهمة، عظيم الطموح، عادلًا، حسن العهد، معروف الوفاء، ناجحًا في بسط نفوذه في جهادٍ مستمر ظل لعشرين عامًا في سبيل الله.
لِيَخلفه بطلنا السلطان العظيم (يمين الدولة) .

(محمود بن سبكتكين سلطانًا)
توفي والده عام ٣٨٧هـ وكان عمر محمود حينها ٢٧ سنة،  لكنه أدرك ببصيرته الثاقبة وضع الأمة الخطر، بما انتشر فيها من نزاعات وتفرقة داخلية من البويهيين والفاطميين، وانفصال كثير من الأقاليم والولايات عن الدولة العباسية، كما كان على علم تام بضعف جارته(الدولة السامانية)حين دبَّ النزاع بين قاداتها العسكريين الأتراك.
وحين كانت آماله عظيمة عالية بإكمال ما بدأهُ أبوه من نشر الدين الحنيف في أدغال الهند الواسعة، ومحاربة ملك الهند الأكبر جيبال، علمَ أن تلك الأماني ما هي إلا أحلامُ يقظةٍ هزيلة إن فكر في استئنافها مع هذا الشتات والتصدع الكبير من حوله!
فماذا فعل بطلنا؟ وكيف كانت سياسته وذكاؤه في تحقيق طموحه؟

لا يكون الباني حكيمًا مُوَفقًا إلا إذا أقام بناءه على أركان ثابتة، وكأن هذا الأساس هو ما فكر فيه القائد محمود بن سبكتكين حين تولى خلافة دولته..

(بناءٌ محكم)
بعد  موت سبكتكين أعلن ابنه إسماعيل نفسه خليفة بعد أن عهد إليه أبوه بالملك من بعده، غير أن أخاه الأكبر محمود -وكان سند والده في غزواته وحروبه- رفض أن يُقر لأخيه بالملك لضعفه وسوء تدبيره، فنهض عليه واستطاع بعد سبعة أشهر أن ينتزع الملك لنفسه، قابضًا بذلك على زمام الأمور، بادئًا عهدًا جديدًا لم تشهده المنطقة من قبل، فلم يكد يستقر له الأمر حتى بدأ نشاطًا واسعًا في الفتوح، وأثبت أنه واحد من كبار الفاتحين في تاريخ الإسلام، لتبلغ رقعة جهاده مساحةً لم تُتح لأحدٍ من بعده.
قضى محمود الغزنوي الفترة الأولى من حكمه في تثبيت أركان دولته، وتوسيع رقعتها على حساب الدولة السامانية التي دبَّ الضعف في أوصالها، فرأى الفرصة سانحة للقضاء عليها، وتم له ذلك في جمادى الأولى 389هـ، بعد انتصاره على عبد الملك بن نوح الساماني في موقعة حاسمة عند مرو، وأصبحت خراسان خاضعة له، ثم تصدى للدولة البويهية، وانتزع منها الري وبلاد الجبل وقزوين.

(محمود بن سبكتكين سلطان مهيب )
كانت الدولة العباسية آنذاك قد تفرقت بعض أوصالها إلى دولة هنا ودولة هناك، ومعظم هذه الدول قد أصبحت نكبةً ووبالًا على الإسلام، يتقاتل ولاتها فيما بينهم، ويتعاملون مع الخلافة العباسية بصورة مهينة حتى وصل ببعضهم إلى قتل الخليفة العباسي (كالمعتز، والمتوكل، والمهدي)
وما إن صار محمود بن سبكتكين سلطانًا على الدولة الغزنوية حتى ثبَّتَ ركنه الثاني كَبانٍ عبقري يعرف كيف يُشَيَّدُ الصرح! فصدع بالولاء والتبعية التامة للخلافة العباسية، ودعا لخليفتها (القادر بالله) على المنبر، وأقام معه حِلْفًا قويًّا ضد أطماع الدولة العُبيدية، فأقره الخليفة العباسي سلطانًا على ما تحته من بلاد خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان، ومنحه عدة ألقاب كـيمين الدولة، وأمين الملة، وناصر الحق، وكهف الدولة، كما أرسل له الخُلْعَة الفاخرة جدًّا ولم يُرسَل مثلها قط لأي خليفة أو سلطان.. فقويت به الدولة العباسية وارتفعت رايتها وعادت هيبتها.

(العُبَيديون يُغرون ابن سبكتكين)
غير أن الدولة العُبيدية لم تدَّخِر جهدًا في محاولة كسب ولائه لهم لما رأوا من قوتهِ العسكرية وهيبته وذكائه، فكانت رسلهم تفد إليه بالكتب والهدايا لأجل أن يكون من جهتهم ضد الدولة العباسية، ولكن السلطان محمود ناصر السنة والدين كان يحرقها، معلنًا بقاءهُ على السنة، وتبعيتهِ للدولة العباسية، وردَّ العبيديين على أعقابهم خائبين.

(رفع السنة، ومحا البدعة)
أقام ابن سبكتكين صرحَ طموحه على ركن ثالث، وهو إعلائهِ للسُّنَّة، ونشره لعقيدة السلف الصالح في كل قطر يفتحه، ومناظرته لكبير الأشاعرة(ابن فورك) مشهورة، وكانت في باب الأسماء والصفات، حين قال ابن فورك لمحمود ابن سبكتكين:
أنا لا أقول أن الله فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال.
فردَّ السلطان محمود في ذكاء:

إن ربك عَدم!
فحاجَّهُ بذلك وانتصر عليه، وأخرجه من بلاده.
ولأنه كان يكره البدع وأهلها، ويمقت الفرق الضالة، قمعَ المعتزلة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة -مما جعل كثيرًا من المؤرخين أصحاب الميول لتلك الفرق ينسبون إليه بعض الصفات الذميمة التي تخالفها سيرته وحياته في كل موطن- كما أنه بذل جهوده في إزالة كل الاعتقادات الباطلة في كل البلاد؛ حرصًا على حديثي الإسلام من التأثر بها، ومضى ينشر الدين الصحيح، ماشيًا بعدلٍ قل له مثيل، مقتفيًا في ذلك أثر الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه.

وبهذا كله.. قام السلطان محمود ابن سبكتكين على سياسية جهادية في غاية الحكمة؛ إذ ثبَّتَ الجبهة الداخلية عسكريًا وعقائديًا وسياسيًا قبل أي فتوح خارجية.

(فتحُ الهند)
بعدما استتبَّ له الأمر وصلت إلى مسامعه أخبارٌ تفيدُ أن ملوك الهندوس يتحالفون بينهم لمنع انتشار الإسلام في شمال الهند تحديدًا، يقودهم في ذلك كبيرهم جيبال الذي نقض عهوده مع والده سبكتكين، وقتل الدعاة المسلمين، ووقف حائلًا دون نشر الإسلام.
فانطلق السلطان محمود يضع الخطط مع قادة جيشه، فاختار خمسة عشر ألفًا من خيرة جنده مع عددٍ من المتطوعين للجهاد في سبيل الله، وسار بهم نحو جيبال ليَشُنَّ عليه حملةً كُبرى، فعلمَ بذلك ملوك الهند، وحشدوا جموعًا عظيمة من الهنود مع أعدادٍ كبيرة من الفيلة المدرَّبة على خوض المعارك..

(محمود بن سبكتكين في مواجهة الفيلة)



كيف  سيواجه ابن سبكتكين مئات الحيونات الضخمة الساحقة؟! إذ الواحد منها كفيلٌ بسحق كتيبةٍ من جيشه الصغير الذي لا يتجاوز ١٥ ألف مقاتل ؟!


توجَّه محمود بن سبكتكين إلى مدينة بيشاور، ونصبَ خيمته خارج حدودها؛ لاستدراج جيبال،
تجنب جيبال الاشتباك لبعض الوقت منتظرًا تعزيزات ملوك الهند، وحينها اتخذ محمود قرار الهجوم المباغت بما معه من زُهدِ العتاد، وتصدى جايبال بسلاح الفرسان والأفيال لسحق خصمه.

فماذا حدث يا ترى؟
انطلق الجيش الإسلامي برباطة جأشٍ وشجاعة نادرة كأنهم الأسود الضواريِ نحو جيش الهندوس فأثخنوا فيهم  الجراح، وأسقطوا المعتلين ظهور الفيلة بالرماح والسهام فغنموها وقادوها لتسحق جيش جيبال، وظلت المعركة قائمةً مشتعلةً حاول فيها الهندوس التقدم، لكن سيف ابن سبكتكين ظل يردهم على أعقابهم إلى أن كتب الله له ولجنوده النصر في المعركة، ونزلت بجيبال هزيمة ساحقة في معركة بيشاور، وحين أدرك هزيمته همَّ بالهروب، إلا أنه وقع في الأسر.. ولمَّا كان مَلِكًا عظيمًا، واسعَ النفوذ كثيرَ الكنوز عرض على السلطان محمود فدية ضخمة لِقاء تحريره، ولابد أنك تتساءل الآن أيها القارئ:
هل قبِلَ السلطان محمود بالفدية بعد كل ما فعله جيبال؟

(ذكاء محمود بن سبكتكين)
قيل عن السلطان محمود: كان ذكيًا، بعيدَ الغَور، مُوَفقَ الرأي..
فإذا علمتَ ما فعل بجيبال أدركتَ أن ما وُصِفَ به كان في مكانه؛ إذ أنه قبِل الفدية وأطلقه، وكان يعلمُ قوانين الهنود في من يُهزمُ من ملوكهم، فلا يُؤَمَّرُ ولا تنعقد له رئاسة بعد هزيمته وخاصة إذا كانت ضد المسلمين! فما أن عاد جيبال نحو بلاده ورأى هوانه وضياع مُلكه حتى حلقَ رأسه وأحرق نفسه.
وبذلك  جمعَ السلطان محمود المغنمين، فأزالَ أكبرَ عقبة في طريقه لنشر الإسلام بالهند، ليُكمل الحلم الذي عاشَ به والده سبكتكين حتى مات قبل تمامه.

معركةُ الصنم الأكبر(سومنات)



نحن  الآن ننتقل إلى معركة أخرى مختلفة كاختلاف صنم الهندوس فيها؛ إذ كان أعظم أصنامهم في ذلك الوقت، فكيف كانت المواجهة بين جيش المسلمين وجيش لا عدَّ له ولا حصر من الهندوس، جاءوا من كل فجٍّ عميق ليفدوا صنمهم الأكبر بأموالهم وأرواحهم؟!

فما هي حكاية هذا الصنم؟

كان في إقليم (الكوجرات) غرب الهند، صنمٌ يُسمى(سومنات)، يحجُّ إليه الهندوس ليلة خسوف القمر بجموع لا يحصيها بشر، فيقذفون إليه كل نفيس من الياقوت والمرجان وشتى الأموال.

ولكَ أن تتخيل أيها القارئ قدر هذا الصنم عندهم إذا علمتَ أن له وقف يُقَدر بعشرة آلاف قرية، وعنده ألف كاهن لطقوس العبادة، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس ولِحَى الزوار، وثلاثمائة أُخَر وخمسمائة امرأة يرقصون ويغنون على بابه!
أما اعتقاداتهم فيه فهو أنه يُحيي ويُميت، وأن الأرواح تذهب إليه بعد الموتِ فيبثها فيمن شاء، وهو ما يسمى عندهم بالتناسخ، وأن حركة المد والجزر ما هي إلا عبادة البحر لسومنات!

لم يكن السلطان محمود بن سبكتكين قد سمع باسم هذا الصنم حتى تتابعت فتوحاته في الأقطار الهندية فكان كلما هزم جيشًا أو حرر حصنًا سمع الهندوس يرددون: هذا من غضب الإله سومنات على أهل هذا البلد، فلو كان عنهُم راض ما هُزِموا!

وما إن علمَ السلطان محمود حقيقة ذلك الصنم حتى استشاط غضبًا وعزم على هدمه ظنًا منه أن الهنود إذا رأوا تحطيم معبودهم وكذب أمره دخلوا في دين الإسلام وانتهت الوثنية من الهند.

(الطريق إلى سومنات)
وخرج السلطان بجيوشه ومن انضم إليه من المتطوعين المجاهدين فكونوا جيشًا كبيرًا، وذلك في العاشر من شعبان سنة 416هـ،  اخترق السلطان بجيشه صحاري وقفار مُهلكة، واصطدم بالعديد من الجيوش الهندية وهو في طريقه إلى "سومنات" محاولين منعه من تحطيم صنمهم لأنه أعلمَ الجميع بوجهته وهدفه؛ ليرى الهنود إن كان سومنات هذا سيُغني عن نفسه أو عن أتباعه شيئًا.
بلغ السلطان محمود بجيوشه مدينة "دبولواره" على بعد مرحلتين من سومنات، وقد ثبَتَ أهلها لقتال المسلمين ظنًا منهم أن إلٰههم سومنات سيمنعهم ويدفعهم، فاستولى عليها المسلمون بعد أن قتلوا جيشها بأكمله، وساروا حتى وصلوا إلى "سومنات" يوم الخميس 15 ذي القعدة سنة 416هـ.

(عرضٌ من كنوزٍ وأموال)


وحين وصل السلطان بجيوشه عرض الهنود عليه أموالًا وكنوزًا ضخمة مقابل تركه سومنات، فمالَ بعضُ قادته لهذا الرأي، وأشاروا عليه بأخذ تلك الأموال ليُعوض النفقات الطائلة التي أُنفقت في الحملات الجهادية، فيُقوِّي بها جيشه ويستعين بذلك على فتوحات أخرى، لكنه أرجأهم إلى الغدِ ليستخير، وبات السلطان ليلته يدعو الله، يستخيره بعلمه، ويستقدره بقدرته، ويسأله سدادَ الرأي وخيرَ الأمرين، وما إن ارتفعت الشمس حتى أقبل إليهم بِسَمْتِهِ المهيب، والجمع حوله يُخيمهم الصمت، ينتظرون الجواب، فأجاب برأي ثابت وصوتٍ قوِّي عُرِف به:

"إني فكَّرتُ في الأمر الذي ذُكِر، فرأيتُُ أنه إذا نُوديتُ يوم القيامة: أين محمود الذي كسر الصنم؟ أَحَبُّ إليَّ من أن يُقال: الذي ترك الصنم لأجل مال يناله من الدنيا".

ثم أخبرهم بعزمه على القتال.
ما إن وصل السلطان محمود إلى المكان حتى رأى حِصنًا حَصينًا على ساحل النهر، قد اعتلى أهله الأسوار وهم ينظرون إلى المسلمين واثقين أن معبودهم سيقطع دابرهم ويهلكهم، في حين أحاط جيشهم من الهندوس والكهنة البالغ عددهم (٥٠ ألف) بالصنم من كل جانب؛ ليفدوه بأنفسِ ما يملكون.

فماذا الذي سيحدث يا ترى؟ هل سينصرهم سومنات ويصبُّ لعنته على المسلمين؟ أم سينتصر المسلمون؟
لقد حدثَ مالا يُتوقع!

(المعركةُ الكبرى)



في يوم الجمعة16 ذي القعدة وعند وقت الزوال كما هي عادة المسلمين الفاتحين زحف السلطان "محمود" بجيشه المظفر، فالتحموا في الهنود يقاتلونهم بمنتهى الضراوة، وصعق الهنود من هول القوة القتالية وشدة بأس المسلمين بعدما ظنوا أن إلٰههم المزعوم سيمنعهم ويهلك عدوهم!

نصب المسلمون السلالم على أسوار المدينة ليرتقوها، وماهي إلا لحظات حتى ارتفع صوت التكبير من فوق الأسوار، وانحدر المسلمون كالسيل الجارف داخل المدينة، وحينئذ زادت حدة القتال، فكانت كل جماعة من الجيش الهندوسي يبدأون بمعبودهم "سومنات" قبل الزحف إلى المعركة؛ يُعفرون وجوههم عنده ويسألونه النصر ويعتنقونه بالبكاء، ثم يخرجون لقتال المسلمين، فيُفنوا جميعًا على أيدي أبطال وَحَّدُوا الله ربًا لا معبود لهم سواه.. وهكذا فريق تلوالآخر من الهنود، يدخلون إلى سومنات يستغيثون به ثم يخرجون إلى المعركة فيُقتلون!

(هروبُ الهنود وسقوط سومنات)
قاتل الهنود على باب معبد الصنم "سومنات" أشد ما يكون القتال، حتى راح منهم خمسون ألف قتيل، ولما أدركوا أن مصيرهم الفناء عن بكرة أبيهم حين خذلهم الصنم ركبوا مراكب النهر محاولين الهرب، إلا أن المسلمين أدركوهم فأمسَوا بين قتيل وغريق، وأمر السلطان "محمود" بهدم الصنم سومنات، ثم أمر بأن تُسوَّى حجارته عتبةً لجامع غزنة الكبير.

(مفاجأةٌ بداخل الصنم)
يقول "ابن خلدون" في تاريخه:
"انتصر المسلمون على الهنود بعد مقاومة عنيفة، وقُتل من الهنود خمسون ألفًا كانوا يُدافعون عن معبد سومنات، ودخل محمود المعبد وحطَّم الصنم الأكبر، فوجد عليه وفيه من الجواهر والذهب والجواهر النفيسة ما يزيد على ما أنفقه في الحملة بأضعاف مضاعفة، وكانت عنده خزانة فيها عدد كثير من الأصنام ذهبًا وفضة عليها ستور معلقة بالجوهر منسوجة بالذهب تزيد قيمتها على عشرين ألف ألف دينار‏- أي عشرين مليون دينار! –"

فكأنما رأى المسلمون آنذاك وعدَ الحديث: (من تركَ شيئًا لله، عوضه الله خيرًا منه)

 وجمعَ الله للسلطان محمود بن سبكتكين مع ما غنِمَ ذلك اليوم المُلكَ العظيم والذكر الجميل (ومن يُرِد ثواب الدنيا نؤتهِ منها ومن يُرِد ثواب الآخرة نؤتهِ منها وسنجزي الشاكرين)

(تاريخٌ حُفِر في ذاكرة الهندوس)
إن هذا التاريخ المجيد للسلطان محمود ابن سبكتين في فتح الهند ونشر الإسلام في أصقاعها لا يزال يُؤَلِّبُ الهندوس إلى يومنا هذا، ولا سيما حكومتهم الحالية، فأعادت عام١٩٤٧م بناء صنمٍ في قلب الكوجرات سموه سومنات، ولا تزال تتبعُ سياسة ممنهجةً في قمع المسلمين وتعذيبهم وحرقهم دون جُرْمٍ اقترفوه سوى ضغينة تاريخية لم ينسوها للسلطان البطل محمود ابن سبكتكين..!

(السلطانُ العالِم)
كما عُرِف محمود بن سبكتكين في التاريخ بفتوحاته وبطولاته عُرِف بحبه للعلم والفقه والأدب، فكان يستقطبُ لبلاده العلماء كأبي الريحان البيروني، وأبي الفتح البستي، وابن سينا، والبيهقي، والكسائي وغيرهم الكثير ممن زخرت بهم بلاده حتى صارت منارة للعلم والعلماء.

كما أنه اهتم بالعِمارة  حتى غدت بلاده زاهية بالمساجد والقصور والأبنية التي لا تقل جمالًا عن المنشآت الهندية التي عُرِفت بدقة التصميم وجمال العِمارة.

(قالوا عن السلطان)
أفردَ العلماء والمؤرخون في وصفه وذكر مزاياه صفحات عدة، فقال عنه ابن خلدون:
"
كان عادلًا في رعيته، رفيقًا بهم، محسنًا إليهم، وكان كثير الغزو والجهاد وفتوحاته مشهورة".
وقال تاج الدين السبكي يصف علاقة السلطان مع الرعية:
"
كان مُحَببًا إلى الناس لعدله ودينه وشجاعته ومعرفته"
أما شيخ الاسلام ابن تيمية، فقد أجزل في مدحه قائلًا:
"ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسنِ ممالك بني جنسه؛ كان الإسلام والسُّنَّة في مملكته أعزَّ؛ فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل ما لم ينشره مثله، فكانت السُّنة في أيامه ظاهرة، والبدع في أيامه مقموعة."

وإنا لو أردنا  ذكر جميع أقوال العلماء والمؤرخين عنه لأخذَ منا صفحاتٍ طِوال، لكننا نختمُ بمقولة المؤرخ الهندوكي براساد في حق السلطان
"
إن محمودا ليُعد في نظر المسلمين حتى اليوم غازيًا ومجاهدًا كبيرًا آخذًا على نفسه القضاء على الشرك في مهاد الوثنية، وهو في نفس الوقت عند الهنادكة طاغية مخرب حطم مقدساتهم ودمر معابدهم وآذى شعورهم الديني في كثير، ولكن المؤرخ المُنصف حين لا يُسقِط من حسابه تقاليد العصر الذي كان يعيش فيه وسماته واعتباراته لا يسعه إلا أن يقرر أن محمودًا كان زعيمًا بارزًا من خيرة القادة والزعماء، وحاكمًا وجنديًا عبقريًا من الطراز الأول، اتصف بالعدالة ورعاية الفنون والعلوم، فهو جدير بأن يُعدَّ من بين أعاظم السلاطين والملوك".

(تعظيمهُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم) 
ذكر عنه الإمام علي ابن الحسن بن العطاس ما معناه:
أن السلطان محمود الغزنوي كان في أول عمره وأمره يشتغل بالصلاة على النبي بعد صلاة الفجر، فيبقى في مصلاه مصليًا عليه آلاف المرات حتى ترفع الشمس قبل أن يخرج إلى الناس ليؤدي حاجاتهم ويقضي في خصوماتهم..

ولعل ذلك المجدَ الذي وصلَ إليه، وتلك الفتوحات التي صَعُبَت على أسلافه ثم تيسرت بين يديه، كان سببها هذا التعظيم والإجلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد من يُكثر الصلاة عليه : (إذن تُكفى همك، ويُغفرُ ذنبك) وأيُّ همٍّ كان أعظم عند السلطان محمود بن سبكتكين من فتح الهند؟

(وترجَّلَ الفارس عن فرسه)
ظل السلطان محمود بن سبكتكين رافعًا راية الجهاد في سبيل الله ليل نهار، لا يكل، ولا يمل، ولا يكاد يجلس على فراشه حتى أنشأ دولة عظيمة شاسعة تضم إيران وما وراء النهر والشمال الهندي كله، وأخضع لسلطان الإسلام السند والبنجاب وحوض الجانج إلى حدود البنغال.

حتى أصابه في آخر حياته داءٌ في البطن، ولعل الله كتب له بذلك الشهادة التي أمضى حياته يطلبها من مظانِّها في كل موطن، وظل رغم آلامه يترأسُ الجيوش ويشنُّ الحملات الجهادية، وكان يرفض أن يضطجع حتى لا يلحظ العدو ضعفه! إلى أن جاء الأجلُ وترجَّلَ الفارسُ عن صهوةِ فرسه، فماتَ قاعدًا على كرسيه في شموخ! في اليوم الثالث والعشرون من ربيع الآخر عام٤٢١هـ، بعد حُكمٍ دام لأكثر من ثلاثين عامًا نشر فيها العقيدة الصحيحة في ربوع وسهول بلغت مساحتها فتوحاتِ الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، ودخل في الإسلام ملايين من البشر يدينون بعبادة الله الواحد الأحد.

فكما آتاهُ الله ثواب الدنيا من المُلْكِ وعُلوِّ المناقبِ وحُسن الأثر، نرجوه أن يؤتيه ثواب الآخرةِ بأن يناديه:
أين محمود الذي كسر الصنم؟

<تم بحمد الله>


ملاحظة/ تم تحويل النص إلى مونتاج مرئي على اليوتيوب في قناة(سيوف بتارة)، للمشاهدة على هذا الرابط

https://youtu.be/09HMBRkWORM?si=RPDiG11OjQVqkbNG

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أول مدونة